ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

98

الامامة والسياسة

والوشي ، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام ، ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان . قال : فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت ، وعمد إلى أفخر ما فيها ، والتيجان والجزع ، فجعله في بيت الله الحرام ، وفرق غير ذلك ، ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله . خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير قال : وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه ، بعث إلى موسى ، فأتي به ، فعنفه بلسانه ، وكان فيما قال له يومئذ : أعلي اجترأت ، وأمري خالفت ، والله لأقللن عددك ، ولأفرقن جمعك ، ولأبددن مالك ، ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور ، وتخدعه من آل أبي سفيان ، وآل مروان ، فقال له موسى : والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب ، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك ، وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه ، فأما ما ذكر أمير المؤمنين : من أنه يقل عددي ، ويفرق جمعي ويبدد مالي ، ويخفض حالي ، فذلك بيد الله ، وإلى الله ، وهو الذي يتولى النعمة على الاحسان إلي ، وبه أستعين ، ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه ، ولم يبلغه ذنب اجترمته . فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه . قال : وكانت بموسى نسمة ( 1 ) ، فلما أصابه حر الشمس ، وأتعبه الوقوف ، هاجت عليه . قال : وجعلت قرب العرق تنصب منه ، فما زال كذلك حتى سقط ، وعمر بن عبد العزيز حاضر ، إلى أن نظر سليمان إلى موسى ، وقد وقع مغشيا عليه ، قال عمر بن عبد العزيز : ما مر بي يوم كان أعظم عندي ، ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم ، لما رأيت من الشيخ موسى ، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله ، وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به . قال : فالتفت إلي سليمان فقال : يا أبا حفص ، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني . قال عمر : فاغتنمت ذلك من فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن ( 2 ) ، وبه نسمة قد أهلكته ، وقد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك ، وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله ، العظيم الغناء

--> ( 1 ) نسمة : الربو ، وهو انتصاب النفس ، من أمراض الصدر . ( 2 ) البادن : الضخم الجسم ، السمين .